محمد بن علي الشوكاني
5136
الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني
مصلحة المسلمين ، لما نالهم من الأمور التي قد اشتهرت اشتهار النهار ، وقد اعترفتم بهذا في كلامكم فقلتم : يعني أن الله قد عزم على تطهير أرض المدينة منهم ، وإراحة المسلمين من جوارهم ، وتوريثهم أموالهم . والامتنان على المسلمين ، من أعظم الأدلة على أن وجه الحكمة في الإخراج هو مصلحة المسلمين فإن كنتم توافقوننا على أن مراعاة المصلحة هي السبب في الجلاء ، فالإلحاق صحيح ، ولا خطر عظيم كم ذكرتم ، ولا موجب للتهويل . وإن أبيتم ذلك ، وناقضتم كلامكم الذي في إرسال المقال فأخبرونا عن وجه الحكمة ؟ ، فإن قلتم لا نعلمها فقد علمها غيركم ، ومن علم حجة على من لم يعلم . وقولكم : فكيف يجوز أن يقيس المحاربين على المعاهدين ، لعله من سبق القلم والصواب العكس . قال : إن كان الأمر هنا للندب فالقصد منه الإرشاد ، وأن المراد الوجوب فهو عام ، وقد خصصه الشارع . أقول : كلا ، يبقى الترديد محصل للمطلوب ؛ لأن السؤال إنما هو عن دليل الإجبار ، وهو أعم فالأمر كما قيل : خذا بطن هرشى أو قفاها فإنه . . . كلا جانبي هرشى ( 1 ) لهن طريق ودعوى تخصيص ذلك الأمر بالسنة نستفسركم عنه فنقول : بعد تسليمكم لدخوله تحت العموم ، هل خصصت السنة هذا الأمر بعينه أو غيره ؟ وهل ذلك الغير مماثل له في المهانة أو فوقه أو دونه ؟ الأول : ما أظنكم تدعونه ، والثاني : ممنوع ، إن قلتم بالأول منه أو الثاني فعليكم الدليل ، ولا ينفعكم ما ذكرتم من التسميد لما سلف . وإن قلتم بالثالث منه فلا يضرنا ولا ينفعكم ، فأين الإنصاف ؟
--> ( 1 ) هرشى : ثنية في طريق مكة قريبة من الجحفة يرى منها البحر ولها طريقان فكل من سلكهما كان مصيبًا . وقيل : هي ثنية بين مكة والمدينة ، وقيل جبل قريب من الجحفة . " اللسان " ( 15 / 76 ) . وقد تقدم .